الشيخ أحمد الحملاوي

21

شذا العرف في فن الصرف

خطبة الكتاب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم اللهمّ إنا نحمدك يا مصرّف القلوب على مزيد نعمك ، ومترادف جودك وكرمك ، غمرتنا بإحسانك ، الذي مصدره مجرّد فضلك ، وشملتنا بمضاعف نعمك وطولك ؛ فسبحانك تعالت صفاتك عن الشبيه والمثال ، وتنزّهت أفعالك عن النقص والإعلال ؛ لا رادّ لماضي أمرك ، ولا وصول لقدرك حق قدرك ، ونستمطرك غيث صلواتك الهامية ، وتسليماتك الباهرة الباهية ، على نبيّك إنسان عين الوجود ، المشتقّ من ساطع نوره كلّ موجود « محمد » المصطفى من خير العالمين نسبا ، وأرفعهم قدرا ، وأشرفهم حسبا ، الذي صغّر بصحيح عزمه جيش الجهالة ، ومزّق بسالم حزمه شمل الضلالة ، وعلى آله مظاهر الحكم ، وصحبه مصادر الهمم ، الذين مهّدوا بلفيف جمعهم المقرون بالسّداد سبيل الهدى ومعالم الرّشاد . وبعد ، فما انتظم عقد علم إلّا والصّرف واسطته ، ولا ارتفع مناره ، إلّا وهو قاعدته ، إذ هو إحدى دعائم الأدب ، وبه تعرف سعة كلام العرب ، وتنجلي فرائد مفردات الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، وهما الواسطة في الوصول إلى السعادة الدينية والدنيوية ، وكان ممن تطلّع لرشف أفاويقه ، وتطلب جمع تفاريقه ، طلبة مدرسة « دار العلوم » فإنهم أحدقوا بي من كل جانب ، وكان المطلاب فيهم أكثر من الطالب ، فما وسعني إلا أن أحفظ العلم ببذله ، وألّا أضنّ به على أهله ، فسرّحت نواظر البحث في فجاج الكواغد « 1 » ، وبعثتها في طلب الشوارد ، فاقتفت الأثر ، حتى أتت بالمبتدأ والخبر ، ثم جعلت أميّز الصحيح من العليل . وأودع ما أقتطفه من ثمار الكثير في السهل القليل ، فجاء بحمد اللّه كتابا تروق معانيه ، وتطيب مجانيه ، عباراته شافية ، وشواهده كافية ، فأنعم نظرك فيه ، وقل : « ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ » * ، وإن رأيت هفوة فقل طغى القلم ، فإن ذلك من دواعي الكرم ، وحاشاك أن تكون ممن قيل فيهم : [ البسيط ] فإن رأوا هفوة طاروا بها فرحا * منّي وما علموا من صالح دفنوا « 2 »

--> ( 1 ) الكواغد : جمع كاغد من أصل فارسي ( كاغذ ) وعرّبت قديما ومعناها الورقة . ( 2 ) البيت لقعنب بن ضمرة : ( التبريزي ، شرح الحماسة 4 : 12 طبعة الأميرية ) . ولسان العرب : أذن .